جلال الدين السيوطي
67
الأشباه والنظائر في النحو
الكسائي : ليس هذا كلام العرب ، العرب ترفع ذلك كله وتنصبه ، فدفع سيبويه قوله : فقال يحيى بن خالد : قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما ؟ فقال له الكسائي : هذه العرب ببابك ، قد اجتمعت من كل أوب ، ووفدت عليك من كل صقع ، وهم فصحاء الناس ، وقد فنع بهم المصرين ، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم ، فيحضرون ويسألون ، فقال يحيى وجعفر : قد أنصفت ، وأمر بإحضارهم ، فدخلوا وفيهم أبو فقعس وأبو زياد وأبو الجرّاح « 1 » وأبو ثروان « 2 » ، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله ، فأقبل يحيى على سيبويه فقال : قد تسمع أيّها الرجل ! فاستكان سيبويه ، وأقبل الكسائي على يحيى فقال : أصلح اللّه الوزير ، إنّه قد وفد إليك من بلده مؤقّلا ، فإذا رأيت أن لا تردّه خائبا ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، فخرج وصيّر وجهه إلى فارس وأقام هناك ولم يعد إلى البصرة . قال السخاوي في ( سفر السعادة ) : « قال لي شيخنا أبو اليمن الكنديّ : إنّ سيبويه إنّما قال ذلك لأنّ المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة » . قال السخاوي : « لم أسمع في هذه المسألة أحسن من قول الكندي ولا أبلغ » . مجلس الخليل مع سيبويه « 3 » ذكره أبو حيان في تذكرته ، وأظنه أخذه من كتاب ( غرائب مجالس النحويين ) الآتي ذكره ، قال : « سئل الخليل بن أحمد عن قول اللّه عزّ وجلّ : ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا [ مريم : 69 ] ، فقال : هذا على الحكاية ، كأنّه قال : ثم لننزعنّ من كلّ شيعة الذي يقال له هو أشدّ عتيّا ، فقال سيبويه : هذا غلط ، وألزمه أن يجيز : لأضربنّ الفاسق الخبيث بالرفع على تقدير : لأضربنّ الذي يقال له هو الفاسق الخبيث ، وهذا لا يجيزه أحد . وقال يونس بن حبيب : الفعل ملغى وأيّ مرفوع بالابتداء ، وأشدّ خبره كما يقال قد علمت أيّهم عندك . قال سيبويه : وهذا أيضا غلط ، لأنه لا يجوز أن يلغى إلّا أفعال الشك واليقين ، نحو : ظننت وعلمت وبابهما .
--> ( 1 ) انظر الفهرست لابن النديم ( ص 76 ) . ( 2 ) أبو ثروان : أحد الأعراب الذين أخذت عنهم اللغة . ( 3 ) انظر مجالس العلماء ( ص 301 ) .